زكريا القزويني

102

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

( النظر الثالث : في كرة الماء ) الماء جرم بسيط طباعه أن يكون باردا رطبا شفافا متحركا إلى المكان الذي تحت كرة الهواء وفوق كرة الأرض ، زعموا أن شكل الماء كروي ؛ لأن راكب البحر إذا قرب من جبل ظهر أعلاه أولا ثم أسفله ، مع أن البعد بينه وبين الأعلى أكثر مما بينه وبين الأسفل ، ولو لم يكن للماء حدبة تمنع من ذلك لما رئي أعلاه قبل أسفله . لكن استدارة كرة الماء غير صحيحة ؛ لأن الباري تعالى لما أراد أن يجعل الأرض مقرّا للحيوان وحيوانات البر لابد لها من الهواء للتنفس ، ومن الأرض للمقر ، فخلق - جلت قدرته - الأرض ذات تضاريس خارجة من الماء بمنزلة خشونات تكون على ظاهر الكرة ، وذلك لا يقدح في أن يكون شكل الماء أو شكل الأرض كرويا . ثم إنه تعالى جعل التضاريس محلا للحيوانات البرية والوهاد للحيوانات المائية ، وكل واحد من الأركان في حيزه محيط بالآخر إلا الماء ، فإنه منعته العناية الإلهية عن الإحاطة بجميع جوانب الأرض ؛ لما ذكرنا من الحكمة . واعلم أن الماء عذب ومالح ، وكل واحد منهما له فائدة لا توجد في الآخر ، أما المالح فملوحته من الأجزاء الأرضية السبخة التي احترقت من تأثير الشمس واختلطت بالمياه وجعلتها مالحة ، فلو بقيت على عذوبتها لتغيرت من تأثير الشمس وكثرة الوقوف ؛ لأن من شأن الماء العذب أن ينتن من كثرة الوقوف وتأثير الشمس فيه ، ولو كان كذلك لسارت الرياح بنتنها إلى أطراف الأرض ؛ فأدى إلى فساد الهواء ، ويسمى ذلك طاعونا ، فصار ذلك سببا لهلاك الحيوان ، فاقتضت الحكمة أن يكون ماء البحر مالحا ؛ لدفع هذا الفساد . ومن فوائد الماء المالح الدر والعنبر وأنواع ما يؤتى به من البحر ، وسيأتي شرحها مفصلا إن شاء اللّه تعالى . والمياه المالحة في الحماءة فيها شفاء للأمراض الصعبة ، وماء زمزم صالح لجميع الأمراض المتفاوتة ، قالوا : لو جمع جميع من داواه الأطباء لا يكون شطرا ممن عافاه اللّه بشرب ماء زمزم . وأما العذب فمعظم فائدته الشرب ، وفيه قوة إذا نقعت فيه مطعوما - كالزبيب مثلا - يمص جميع حلاوتها حتى لا يترك فيها شيئا من الحلاوة ، وإذا خالط شيئا يأخذ طبعه ولونه فيصير عسلا وزيتا وخلّا ولبنا ودما يقبل جميع الألوان والطعوم ، ولا لون له ولا طعم .